علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

79

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

وشرابنا الماء قال اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم . قال : فقال أبو القاسم بركة دعوة إبراهيم . قال فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه أن يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد ؟ قالت : نعم أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت : نعم يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك فقال : ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك ثم لبث عنهم ما شاء اللّه ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم ، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ، ثم قال : يا إسماعيل إن اللّه أمرني بأمر قال : فاسمع ما أمرك ربك ، قال : وتعينني قال وأعينك قال : فإن اللّه أمرني أن أبني بيتا هاهنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها فعند ذلك رفع القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاءه بهذا الحجر فوضعه له ، فقام إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم : وفي رواية حتى إذا ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة فقام على حجر المقام ، فجعل يناوله الحجارة ويقولان : ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وقيل : إن امرأة إسماعيل قالت لإبراهيم : انزل اغسل رأسك فلم ينزل فجاءته بالمقام فوضعته عند شقه الأيمن ، فوضع قدمه عليه فغسلت شق رأسه الأيمن ثم حولته إلى شقه الأيسر فغسلت شق رأسه الأيسر فبقي أثر قدميه عليه . عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس اللّه نورهما ولو لم يطمس نورهما لأضاء ما بين المشرق والمغرب » أخرجه الترمذي . وقال هذا يروى عن ابن عمر موقوفا . واختلفوا في قوله : مصلى فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلّى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء ، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقام إبراهيم مصلّى قبلة ، أمروا بالصلاة عنده وهذا القول هو الصحيح ، لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ، ولأن مصلى الرجل هو الموضع الذي يصلي فيه وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما وألزمناهما وأوجبنا عليهما . قيل : إنما سمي إسماعيل لأن إبراهيم كان يدعو اللّه أن يرزقه ولدا ، ويقول في دعائه : اسمع يا إيل وإيل بلسان السريانية هو اللّه . فلما رزق الولد سماه به أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ يعني الكعبة أضافه إليه تشريفا وتفضيلا وتخصيصا ، أي ابنياه على الطهارة والتوحيد ، وقيل طهراه من سائر الأقذار والأنجاس ، وقيل طهراه من الشرك والأوثان وقول الزور لِلطَّائِفِينَ يعني الدائرين حوله وَالْعاكِفِينَ يعني المقيمين به والمجاورين له وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ جمع راكع وساجد وهم المصلون وقيل : الطائفين يعني الغرباء الواردين إلى مكة والعاكفين يعني أهل مكة المقيمين بها . قيل : إن الطواف للغرباء أفضل والصلاة لأهل مكة بمكة أفضل . قوله عز وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 126 ] وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 126 ) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا إشارة إلى مكة وقيل إلى الحرم بَلَداً آمِناً أي ذا أمن يأمن فيه أهله ، وإنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمنا ، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به . فأجاب اللّه تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلدا آمنا فما قصده جبار إلا قصمه اللّه تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة . فإن قلت : قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة . قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة ، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها . واختلفوا هل كانت مكة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو حرمت بدعوته على قولين : أحدهما أنها كانت محرمة قبل دعوته بدليل